ساسي سالم الحاج

62

نقد الخطاب الاستشراقي

ثم توالت الرحلات إلى الشرق وكانت أهمها بعد رحلة « أنكيتل » رحلة « وليم جونز W . Jones » التي قام بها إلى الهند وكان يتقن العديد من اللغات الشرقية ومن أهمها العربية ، والعبرية ، والفارسية ، وقد أسند إليه أحد المناصب التجارية بشركة الهند الشرقية ، وبالإضافة إلى عمله الرسمي الذي رحل من أجله إلى الهند عام 1783 لم يقف مكتوف الأيدي أمام تلك الآفاق الثقافية والحضارية الواسعة التي وجدها أمامه ، والتي يمتلك لها الأدوات اللغوية الكافية لسبر أغوارها ، والغوص في أعماقها . فقد درس القوانين الهندوسية ، والشريعة الإسلامية ، والسياسة والجغرافيا للهندوستان التي تناول فيها أفضل السبل لحكم البنغال وهو بيت القصيد لدينا . وبفضل هذا العالم الرحالة أسست « جمعية البنغال الآسيوية » عام 1784 ، وقد كانت لهذه الجمعية مكانتها الجمعية الملكية بالنسبة لإنجلترا . ونظرا لمعارفه المتعددة وإتقانه للغات الشرقية الأساسية ومعرفته الفعّالة بالشرق والشرقيين ، فقد اعتبره « أربري » المؤسس غير المنازع للاستشراق « 1 » . إن الرحالة الفرنسي « قولني Volney » يستحق منا دراسة أكثر عمقا وتركيزا لأن نابليون قد اعتمد في إعداد حملته على مصر على كتابه « رحلة إلى مصر وسوريا » الذي أصدره في مجلدين عام 1787 م . كما دبّج كتابا آخر بعنوان « نظرات في الحرب الراهنة للأتراك » عام 1788 . ويكتسي هذا الكتاب الأخير أهمية خاصة في مجال بحثنا لأنه أبرز فيه أهمية الشرق الأدنى بوصفه مكانا يحتمل أن تتحقق فيه الطموحات الاستعمارية الفرنسية . قدم قولني سوريا ومصر اللتين خصص لهما مجلدين بعنوان « رحلة إلى مصر وسوريا » بتقسيمين لهما أحدهما يتعلق « بالناحية الجغرافية الوصفية » والآخر يتعلق « بالناحية السياسية » . ولكن الوصف الجغرافي لهذين القطرين يقل كثيرا عن « الوصف السياسي » لهما . كما يلاحظ على الوصف الجغرافي خلوه من تقديم الأماكن والسطح ولم يدبج حول وصف سوريا أكثر من عشر صفحات تناولت مميزاتها الجغرافية وجبالها . وكان قولني يعتقد أن وصف التضاريس والأماكن والمدن ورسمهما على الخرائط أصبح موضوعا لا جديد فيه ، ومن ثمّ لا يستحق الاهتمام به ، خلافا للوصف السياسي الذي يكتسي أهمية خاصة باعتباره مدخلا جيدا لمعرفة أحوال هذين القطرين

--> ( 1 ) ادوارد سعيد ، الاستشراق ، المرجع السابق ، ص 105 .